أبو نصر الفارابي
110
كتاب السياسة المدنية
ويكونوا متساوي المراتب فيها وإما أن يكونوا على مراتب لكل واحد منهم شيء قد غلب عليه من المقهورين المجاورين لهم أقل أو أكثر مما للآخر من ذلك . وكذلك يتقاربون في القوى والآراء التي يغلبون بها إلى ملك يرأسهم ويدبر أمر القاهرين فيما يصلون به من آلة القهر . وربما كان القاهر واحدا فقط وله قوم هم له آلات في قهر سائر الناس ، ليس لأحدهم همة في أن يغلب على شيء يأخذه لنفسه بل همته في أن يغلب على الشيء ليكون لذلك الواحد . ويكفيه من أمره ما يقيم به حياته وجلده الذي يستعمله وأن يعطي لغيره ويغلب لغيره مثل الكلاب والبزاة . وكذلك سائر أهل المدينة سوادهم عبيد يخدمون ذلك الواحد في كل ما فيه هوى ذلك الواحد أذلاء خاضعين لا يملكون لأنفسهم شيئا أصلا . فبعضهم يحرثون له وبعضهم يتّجرون له . ويكون قصده في ذلك ليس شيئا أكثر من أن يرى قوما مقهورين مغلوبين أذلاء له فقط ، وإن لم ينله نفع آخر من جهتهم ولا لذة سوى الذل وأن يكونوا مقهورين . فهذه مدينة التغلب بملكها فقط . فأما سائر أهل المدينة فليسوا متغلبين . والتي قبلها مدينة التغلب بنصفها ، والأولى بجميع أهلها « 1 » .
--> ( 1 ) يميز الفارابي ثلاثة أنواع من مدينة التغلب : النوع الأول المدينة التي يقصد جميع أهلها التغلب . النوع الثاني المدينة التي يكون نصف أهلها يقصدون التغلب . النوع الثالث المدينة التي يكون ملكها فقط يقصد التغلب ويكون سائر أهلها عبيدا له يخدمونه .